ابن قيم الجوزية

126

البدائع في علوم القرآن

وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 179 ) [ آل عمران : 179 ] أي : ما كان اللّه ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين ، حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق ، كما ميزهم بالمحنة يوم أحد ، وما كان اللّه ليطلعكم على الغيب الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء ، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه ، وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشهودا ، فيقع معلومه الذي هو غيب شهادة . وقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب ، سوى الرسل ، فإنه يطلعهم على ما يشاء من غيبه ، كما قال : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 - 27 ] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله ، فإن آمنتم به وأيقنتم ، فلكم أعظم الأجر والكرامة . ومنها : استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء ، وفيما يحبون وما يكرهون ، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم ، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون ، فهم عبيده حقا ، وليسوا كمن يعبد اللّه على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية . ومنها : أنه سبحانه لو نصرهم دائما ، وأظفرهم بعدوهم في كل موطن ، وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدا ، لطغت نفوسهم ، وشمخت وارتفعت ، فلو بسط لهم النصر والظفر ، لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق ، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء ، والشدة والرخاء ، والقبض والبسط ، فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته ، إنه بهم خبير بصير . ومنها : أنه إذا امتحنهم بالغلبة ، والكسرة ، والهزيمة ، ذلوا وانكسروا ، وخضعوا ، فاستوجبوا منه العز والنصر ، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار ، قال تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل عمران : 123 ] وقال : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً [ التوبة : 25 ] ، فهو - سبحانه - إذا أراد أن يعز عبده ، ويجبره ، وينصره ، كسره أولا ، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره . ومنها : أنه - سبحانه - هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته ، لم تبلغها أعمالهم ، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة ، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه ، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها . ومنها : أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا إلى العاجلة ، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى اللّه والدار الآخرة ، فإذا أراد بها ربها